مفكر عربي يرى أن «الحرية.. الوعي» شرطان متكاملان... جدعان: الأمة تعيش نهضة ثالثة

مفكر عربي يرى أن «الحرية.. الوعي» شرطان متكاملان... جدعان: الأمة تعيش نهضة ثالثة

تاريخ النشر : الأحد 12:00 6-3-2011
No Image
مفكر عربي يرى أن «الحرية.. الوعي» شرطان متكاملان... جدعان: الأمة تعيش نهضة ثالثة

حاوره ? أحمد الطراونة- قال أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية د. فهمي جدعان: «ليس لأحد أن يحتكر فهم الإسلام وتفسير معانيه ومقاصده لأن ما يهم بالدرجة الأولى هو مدى اقتناع المؤمن بهذا المعنى أو الفهم»
وأضاف جدعان في حوار ل»الرأي» انه لا يحق لأصحاب القراءة «الظاهرية» أو «الحرفية» أو «النصية» أن يزعموا أن منهجهم وحده هو المنهج الصحيح، موضحاً أن إخراج النصوص عن ظاهرها إلى ما يمثل تأويلا يحمل معاني مختلفة هو أمر مشروع تماما.
وأكد أن من حق المرأة المالكة للأدوات العلمية والكفاية والعدالة الشرعية والإيمان أن تتولى هي أيضا تفسير النصوص أو تأويلها من منظور قرآني صريح وفي حدود التجربة النسوية الأصيلة.
وأشار جدعان إلى أن «الحرية.. الوعي» شرطان متكاملان لا انفصال بينهما. فالوعي ضروري لممارسة الحرية السديدة.. والحرية ضرورية لإدراك وعي غير مقيد أو سجين في قفص الاستبداد والقمع والخوف..
وأكد جدعان أن الأمة اليوم تشهد نهضة عربية ثالثة.. عودة إلى الجذور إلى روح الشعب أو الأمة التي روضها الاستبداد والتدخل الخارجي والهيمنة الاستعمارية والفساد المادي والأخلاقي والروحي, وان ما يحدث اليوم في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها ثورة على أجيال الهزيمة والعار والاستخذاء.. أجيالنا نحن السابقين.. ثورة على النفاق الغربي واللااخلاقية الغربية.

 

وعن الحداثة والعلمانية والإصلاح وقضايا الراهن تاليا الحوار:

 يقال أن الحداثة أقصت الدين لصالح العقل. إلى أي حد يمكن القول بذلك في المجتمعات العربية؟
لتقديم إجابة مطابقة عن هذا السؤال يجب تحديد مفهوم الحداثة تحديدا دقيقا. وواقع الحال ? مثلما ابنت عن ذلك في كتابي (الطريق إلى المستقبل) - هو أن هذا المصطلح ينطوي على معنيين على الأقل.
الأول: عام يفيد الدخول في مرحلة تاريخية / ثقافية /اجتماعية تحمل عناصر جديدة على سبيل الإضافة أو الدمج أو الاستيعاب أو الابتداع، أو تستبعد عناصر قديمة على سبيل الإزاحة أو الإهمال أو الإسقاط، على وجه يجعل من جملة خصائص هذه المرحلة مرحلة مباينة ذات سمات مخصوصة.
والثاني يفيد الحذف والإزاحة الجذريتين، أي القطيعة مع ما هو قديم من تراث ودين وتنظيمات معرفية واجتماعية وسياسية، وبخاصة تلك المستمدة من المرجعيات الدينية.
 وهذا المعنى هو المعنى الذي يلحق بالحداثة الغربية على وجه التحديد.

السياق الحضاري
ولعل التحديد الذي قدمه (ألان تورين) للمفهوم أن يكون أدق التحديدات له في السياق الحضاري الغربي، فالحداثة تعني عنده تأكيد القول إن الإنسان هو ما يصنع، وان من الضروري توافر ترابط متعاظم الوشائج بين الإنتاج الذي بات، بفضل العلم، أكثر فاعلية، وبين التقنية والإدارة وتنظيم مجتمع القانون، والحياة الخاصة التي تحركها المنفعة، فضلا عن إرادة التحرر من جميع إشكال القهر والقسر.
وهذا الترابط يعتمد على العقل، إذ هو وحده الذي يقيم تراسلاً بين الفعل الإنساني، وبين نظام العالم، وذلك خلافاً لما كان عليه الحال في مرحلة (ما قبل الحداثة) من رد ذلك إلى الفكر ا لديني ومن الاحتكام إلى غائية ديانات التوحيد والوحي التي كانت تشل هذا التراسل وتعطله.
 العقل هنا هو الذي يقوم ويحرك العلم وتطبيقاته وهو الذي يتحكم في تكييف الحياة الاجتماعية مع الحاجات الفردية والجماعية، وهو الذي يحل محل عسف الدولة وقهرها دولة القانون والسوق.
وباحترام قواعد العقل تتجه الإنسانية نحو الرفاهية والحرية والسعادة. وكلمة الحداثة هي انتصار العقل والعلم، وهي بث ونشر الفاعلية العقلية والعلمية والتكنولوجية والإدارية أو التنظيمية. وبهذا المعنى بالذات تشخص الحداثة بما هي تحوّل عن الدين وبما هي الحاكم البديل لمسائل المعرفة والفعل والعمل والتنظيم.
حين نستخدم هذا المصطلح علينا أن نحدد أياً من المعنيين نقصد، المعنى العام له ? وهو معنى معتدل ? أم المعنى الثاني له ? وهو معنى راديكالي. وفي حدود السؤال المطروح هنا، اعني واقع حال هذا المفهوم في المجتمعات العربية، تشير كل القرائن إلى أننا ما نزال في حدود المعنى الأول، إذ من المؤكد أن تطورات كثيرة وعميقة حدثت في مجتمعاتنا العربية منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر إلى أيامنا هذه. وذلك في جملة الأوضاع التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

مظاهرالتحديث
من المؤكد أننا لم نعد نحيا حياة أهل الخلافة الأموية أو العباسية أو العثمانية، وان الغرب قد احدث فعالا عميقة في حياتنا وان مظاهر (التحديث) تعلن عن نفسها في كل مكان، وان القيم العليا والمثل الأخلاقية والسياسية والاجتماعية الحديثة تحاول أن تجد مكانا لها في حياتنا، فنحن نطلب الحرية ونناضل في وجه الاستبداد والفساد، ونريد العدالة والخير العام ونضغط من اجل تحقيقهما، وكل مفكرينا يلهجون بالقول إن العقل والحرية هما مفتاح التقدم. ونعلم أن ما جرى ويجري في تونس ومصر واليمن وليبيا وأماكن أخرى من العالم العربي يحمل بشائر جديدة فذة وان انهارا من الدماء تجري من اجل ذلك. ومع ذلك فإن كل أعراض (ما قبل الحداثة) ما زالت ماثلة للعيان وأننا ما زلنا في مرحلة سابقة لسيادة العقل، وان القيم التقليدية: المحافظة والاتباعية والسلفية المناهضة للاجتهاد والتجديد والقبلية، والأشكال الجديدة للدين وبخاصة الشكل السياسي الراديكالي والخرافي المضاد للعقل والعلم أو القبلي المستحكم بالدين كل ذلك ما يزال يحكم حياتنا ونظمنا وما زال الطريق أمامنا طويلا للخروج من قيود واطر النظم القديمة والدخول في نظام العقل والتنوير.
لا اعتقد أن الحداثة العربية المستقبلية تفرض بالضرورة إقصاء الدين لصالح العقل، فذلك، على المدى المنظور على الأقل، أمر غير واقعي، لان للدين مكانته الروحية في الحياة البشرية، والنظم العلمانية والليبرالية نفسها لا تخلو منه. لكن المقصود هو أن يكون الدين ذا سمات عقلية وجدانية أخلاقية إنسانية، وان يكون مبدءاً للرحمة والتواصل والمحبة وان يستند إلى مبدأ «الاعتراف المتبادل» والاعتراف الرمزي، في الحياة البشرية والإنسانية، وألا يقف حائلا دون التقدم الإنساني والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والخير العام، وألا يتمثل شكلاً استبدادياً قمعياً اقصائياً للمخالف أو صيغة صدامية تقابلية صداعية في المجال الوطني أو الكوني.

 كيف يمكن أن يكون الإسلام دين العلمانية التي لا دين لها أو العلمانية السائدة؟
أو كيف يمكن لمبادئ العلمانية أن تجد لها مسوغاً إسلامياًً؟.
لا سبيل إلى القول إن الإسلام هو دين العلمانية! ما يمكن قوله هو إن فهما عقلانيا تنويريا اجتهاديا لدين الإسلام يمكن أن يكون متوافقا أو متوائما مع نظام علماني ليبرالي قائم على ما يسمى بعلمانية الحياد لا على العلمانية الراديكالية أو علمانية الفصل الراديكالي والرفض المتبادل بين الدين وبين العلمانية.
 ما الذي يميز العلمانية؟ ما يميزها هو أنها «تكنولوجيا في الحكم» تضع الحكم والدولة في يد الهيئة التمثيلية للأمة أو الشعب، هيئة تختارها الأمة اختيارا ديمقراطيا حرا، وتستلهم في إدارة الدولة ونظمها ومؤسساتها مبدأ «استقلال العقل الإنساني» وتطلب إنفاذ قيم الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة والتنمية والخير العام والرفاهية. إذا أقصينا المفهوم الراديكالي المتعصب للعلمانية وتقبلنا مفهوما «منفتحا» رحيما إنسانيا للعلمانية، من ناحية.
وإذا تمثلنا مفهوماً عقلانياً إنسانيا رحيماً منفتحاً لدين الإسلام من ناحية أخرى، فإننا نستطيع أن نتصور مجتمعاً تحكمه القيم المشتركة التي أشرت اليها ويحيا حياة تآلف وأمن وانسجام وتفاهم، وإذا اعتبرنا أن (مقاصد الشريعة) العليا هي الحاكم الأساسي في الإسلام وان المقصد ليس دولة دينية سياسية اطلاقية وإنما دين إيماني أخلاقي إنساني رحيم يحياه كل فرد وفقاً لروحانيته الخاصة في المجال الاجتماعي المعيش، فإننا نستطيع أن نتصور مجتمعاً مدنياً ديمقراطياً تحميه قيم المواطنة التي لا تتعارض مع (مقاصد الشريعة) .
العقلانية، اكرر القول: ليس المقصود (علمانية إسلامية) وإنما القصد نظام إنساني أخلاقي عقلاني تواصلي يستند إلى مبدأ «الاعتراف» والحرية والعدالة والخبر العام والتنمية والرفاهية للفرد والمجتمع، وأظل اكرر واكرر ما قاله احد فقهاء مدرسة المقاصد الشرعية، «حيثما ظهرت إمارات العقل أو العدل فثم شرع الله»، وفي جميع الأحوال من الضروري أن يتحرر الخيال الاجتماعي الديني من الاعتقاد بان العلمانية تعني بالضرورة الكفر والإلحاد لان العلمانية ليست في ماهيتها الحقيقية موقفا من «الإيمان الديني» على سبيل الإقرار أو الإنكار، وإنما هي موقف من الحكم ومن الدولة والعلماني يمكن أن يكون هذا ويمكن أن يكون ذاك، مثلما هي الحال في كل النماذج البشرية الأخرى.

 المفكر الإصلاحي فضل عبدالرحمن يقول: إن القرآن يجسد مجموعة من الحقائق التي يتعين البحث عن معانيها الحقيقية أي تأويلها، هل تعتقد باختلاف التأويل من عصر لآخر ومن يحق له أن يؤول نصوص القرآن في ظل الاختلاف المذهبي؟.
يهمني أن أؤكد أولا انه ليس ثمة «سلطة دينية» إنسانية في الإسلام، على الأقل في الإسلام ذي النزعة السنية ومعنى ذلك أن أي إنسان مستحوذ على ما هو أساسي في العلوم الدينية وفي العلوم الإنسانية التاريخية والاجتماعية رجلا كان أو امرأة يحق له أو لها أن يعبر عن رأيه أو أن تعبر عن رأيها في هذه المسألة أو تلك، وليس لأحد أن يحتكر فهم الإسلام وتفسير معانيه ومقاصده لان ما يهم بالدرجة الأولى هو مدى اقتناع المؤمن بهذا المعنى أو الفهم أو ذاك، ومعلوم أن طرق الإيمان لا حصر لها، وربما تكون بعدد المؤمنين أنفسهم ولسنا نجهل أن المسلمين في التجربة التاريخية الإسلامية لم يلتزموا بمنهج واحد في الفهم في المذاهب والفرق.
 عرف التاريخ الإسلامي الخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة والاشاعرة وأهل السنة والجماعة و.. و.. وكل فريق منهم ذهب مذهبا خاصا في تقديم أو فهم هذه المسألة أو تلك، ولديهم جميعهم تفسيراتهم ومفهومهم و»تأويلاتهم» أيضا وليس لأحد أن يكفر أو يضلل هذا الفريق أو ذاك طالما أنهم يقرون جميعا بأنهم مسلمون وبان الإسلام دينهم الذي ارتضوه لأنفسهم، أما في المنحى المنهجي فقد تبنى مفكرو الإسلام وعلماؤه ومفسروه مناهج مختلفة: لغوية أو بيانية أو خبرية أو عقلية أو ظاهرية أو «علمية» أو صوفية وطالما أن هذه المناهج تقدم لأصحابها مفاهيم مقبولة للإيمان فهي مشروعة.

القراءة الظاهرية
بتعبير آخر لا يحق لأصحاب القراءة «الظاهرية» أو «الحرفية» أو «النصية» أن يزعموا أن منهجهم وحده هو المنهج الصحيح فإخراج النصوص عن ظاهرها إلى ما يمثل تأويلا يحمل معاني مختلفة هو أمر مشروع تماما، والقرآن نفسه صريح في إقراره بالتأويل سواء أكان ذلك تأويلا بحسب أساليب العرب في المجاز أم في اعتبار المقاصد النهائية للنصوص الشرعية أم في ربط النصوص الدينية بـ»السياق» التاريخي أو الاجتماعي أو الحضاري أو أي طريق آخر يعزز المعاني الدينية والمقاصد الشرعية والإلهية. لا حرج في اختلاف المؤمنين في فهم معاني النصوص الدينية برغم اختلاف مذاهبهم طالما أن القصد هو الحفاظ على مقاصد الدين وغاياته ومتعلقاته الجوهرية والأصل في ذلك كله الكفاية العلمية في القطاعين الرئيسيين القطاع الديني من ناحية والقطاع الإنساني من ناحية أخرى أي الجمع بين المعرفة الدينية والمعرفة الإنسانية والطبيعية.

 الفلسفة الإسلامية أين هي الآن؟ وهل استنفدت مسوغات وجودها أم أنها غير قادرة على الترويج لنفسها أو إعادة ذاتها؟
هنا أيضا علينا أن نحدد ما الذي نفهمه من مصطلح الفلسفة الإسلامية إذا كان المقصود هو الفلسفة التي ظهرت في التجربة التاريخية الحضارية الإسلامية بتأثير من الموروث العلمي والفلسفي اليوناني بدءا من القرن الثاني الهجري وانتهاء بابن رشد في القرن السادس الهجري أو ابن خلدون في مطلع القرن التاسع الهجري أو بعد ذلك في مشرق العالم الإسلامي الإيراني فان من المؤكد أن هذه الفلسفة لم يعد لها حضور فاعل أو امتداد حي في أيامنا هذه ونحن لا ننظر فيها إلا من حيث هي وجه من وجوه الحضارة العربية أو الإسلامية التاريخية أما إذا كنا نفهم من هذا المصطلح فلسفة الدين الإسلامي نفسه أي مجمل تصوراته في المعرفة والوجود والأخلاق وغير ذلك فإننا سنواجه بهذا السؤال: هل يمكن الادعاء بان هذه التصورات الدينية هي تصورات فلسفية بالمعنى الاصطلاحي للفلسفة؟

حقول النص والوحي
معلوم أن علماء الدين الإسلامي والمفكرين المسلمين المحافظين أو التقليديين يرفضون رفضا قاطعا مثل هذا المصطلح، لان الفلسفي يتعلق بالإنساني الخالص والعقلاني الخالص ومعلوم أن ما هو ديني ينتمي ابتداء إلى حقل (النص) و(الوحي) لا إلى الإنتاج العقلي الإنساني، والحقيقة انه يتعذر إعادة إنتاج (الفلسفة الإسلامية) التقليدية أو انه على الأقل ليس لدينا اليوم ما ينتمي إلى جهود تنتسب إلى هذا القصد وما هو متداول اليوم هو (فكر إسلامي) يتردد ما بين النصوص الدينية وبين اجتهادات وتصورات إنسانية ذات متعلقات فكرية وحضارية إنسانية راهنة اعني إعادة فهم الإسلام في حدود معطيات العصور الحديثة، لكن المنطلقات تظل منطلقات متجذرة في المعطى الديني وليست منطلقة من أوامر العقل ومطالبه واحتياجاته بغض النظر عن المتعلقات الدينية، لكننا مع ذلك نستطيع أن نقول أن هناك تجارب فلسفية راهنة عربية تتقلب بين المذاهب الفلسفية الدينية وتحاول أن تجد لنفسها طرقاً خاصة بها، لكننا لا نجد فلسفات إسلامية بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لهذا المفهوم.

 المفكر / الرجل، تحديداً، هو الذي قرأ القرآن، وهو الذي اوّل القرآن، فهل صبغت الأحكام التي تبحث عن هذه التأويلات بالذكورية أم أنها هي بالأساس ذكورية؟
هذا سؤال خطير ومراوغ، لأن من يقول أن هذه الأحكام هي في الأساس، ذكورية، سيكون كمن يقول أن المشرع نفسه - ذكوري! وهذا أمر غير وارد على الأقل بالنسبة للمسلم المؤمن.
 الحقيقة هي أن (التنزيل) أي الوحي لم يكن منفصلاً عن السياق التاريخي له، بمعنى أن النصوص الدينية غير منبتة الصلة عن الواقع التاريخي والاجتماعي المشخص الذي تم تداولها فيه أو الذي أنشئت فيه، وذلك يعني أن كثيراً من الأحكام أخذت في الحسبان هذا كواقع وجاء ظاهرها موافقاً لهذا الواقع أو قابلاً به أو مبقياً عليه لذلك السياق التاريخي.
ومعلوم أن «أسباب النزول» تتعلق بهذا الوجه من المسألة، غير أن أسباب النزول هي بالضرورة مقيدة بظروفها وأحوالها وليس ثمة ما يلزم بأن يكون حكم ما زمني حكماً لكل الأزمنة، إذ قد يكون خاصاً لا عاماً أو مقيداً لا مطلقاً أو يصلح لزمن ما لا لزمن آخر أو لوضع تاريخي آخر قد يتطلب اجتهاداً جديداً يوافق المصلحة ومقاصد الشريعة العليا.
المرأة في الإسلام
الذي حدث تاريخياً هو أن بعض القوى الفقهية والذكورية في المجتمعات الإسلامية جعلت من بعض الأحكام المتعلقة بهذه المسألة أو تلك مما يفيد ظاهره معنى ذكورياً، جعلتها ثابتة ثبوتاً أزليا غير قابلة للاجتهاد أو التأويل، والأحكام المتعلقة بوضع المرأة في الإسلام ابرز مثال على ذلك، فقد يكون السياق التاريخي الاجتماعي الاقتصادي الذي نزل فيه الأحكام الخاصة بالمرأة يتطلب مثل هذه الأحكام التي يفيد ظاهرها التفاوت أو عدم المساواة أو تحكم الرجل بالمرأة - وهي أمور تروق للنزعة الذكورية عند بعض الفقهاء - لكن الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية المستحدثة تتطلب الاجتهاد في هذه الأمور وتأويل ظواهرها على نحو يعزز مفاهيم العدالة والحرية والمساواة التي هي مفاهيم ثابتة في النصوص الدينية.
وهذا ما فعلته على وجه التحديد المفكرات المسلمات التأويليات: أمينة ودود وأسماء برلاس ورفعت حسن وأخريات، وذلك في رأيي أمر مشروع تماماً. إذ من حق المرأة المالكلة للأدوات العلمية والكفاية والعدالة الشرعية والإيمان أن تتولى هي أيضا تفسير النصوص أو تأويلها من منظور قرآني صريح وفي حدود التجربة النسوية الأصيلة.

 هل تعتقد أن دور الفلسفة هو تقديم الحلول للمشكلات الإنسانية أم أن دورها يقتصر على إثارة التساؤلات فقط وترك العلوم الأخرى للبحث في الإجابة؟
يتعلق الجواب على هذا السؤال بالمفهوم الذي نحمله على الفلسفة، ما هو موضوع الفلسفة؟ معلوم أن لهذه «الصناعة» عشرات التعريفات، ربما بعدد الفلاسفة الكبار, إذا كان الأمر كذلك فانه لن يعود لهذا السؤال أن قيمة نوعية، لأن بعض الفلاسفة سيقولون لك: نعم، دور الفلسفة ينحصر في إثارة الأسئلة لا في تقديم الحلول، هذا مجرد رأي أو موقف، أنا شخصياً، لا أجد للفلسفة معنى أو قيمة أن هي جعلت ديدنها مجرد إثارة السؤال تلو السؤال، ثم العجز عن تقديم أية إجابة ثم أن الذي يشتغل في العلوم الإنسانية والاجتماعية لن يستقي أسئلته من الفلاسفة ليتولى الإجابة عنها، وإنما هو نفسه الذي سيلتقي بالأسئلة التي يثيرها علمه الخاص، الفيزيائي أو البيولوجي أو عالم الاقتصاد أو الفلكي أو عالم النفس لن يأبه بأسئلة الفلاسفة وإنما بأسئلة علمه فقط، ولن يجيب إلا على الأسئلة التي يثيرها علمه فقط، لذا من السذاجة أن يدعي الفيلسوف أن واجبه طرح وإثارة الأسئلة وطلب الجواب عليها من العلماء الآخرين، هذا عبث صبياني، هناك تعريفات قديمة للفلسفة لم يعد لها قيمة على الإطلاق اليوم، أو أنها لا تثير اهتمام المحدثين والمعاصرين، وهناك فلاسفة لا تعني الفلسفة عندهم أكثر من بناء منظومات فكرية ومشاريع عملاقة لا يأبه بها غير الفلاسفة وربما لا تغني شيئاً إلا عند أصحابها، في جميع الأحوال يتعين على الفيلسوف ليسوّغ نشاطه الفلسفي وليضفي على حياته معنى يسوّغ «وظيفته» في الفضاء الاجتماعي، أن يختار لنفسه معنى من هذه المعاني المختلفة لهذه «الصناعة» صناعة الفلسفة، إذا أردت نظرتي إلى هذه المسألة قلت لك أن الفلسفة لا تعني بالنسبة لي إلا أمرين: الأول وعي العالم والعصر، والثاني تحليل المعطيات المباشرة ونقدها وتقديم الاقتراح في أمرها، بقدر طاقتي الإنسانية، وما يقع من ذلك في دائرة هذا العلم أو ذاك، فإنني اطلب إلى أهل ذلك العلم أن ينيروا عقلي وروحي بما لديهم في شأنه.

 الحرية.. الوعي... أيهما شرط لاستدعاء الآخر في ظل ما ترى من سيطرة الفكرة الأمنية التي تجهضهما معاً؟
هذان شرطان متكاملان لا انفصال بينهما. فالوعي ضروري لممارسة الحرية السديدة.. والحرية ضرورية لإدراك وعي غير مقيد أو سجين في قفص الاستبداد والقمع والخوف.. الوعي يعني المعرفة, والمعرفة تتطلب الحرية, فالعلاقة بينهما علاقة عضوية متراسلة, متبادلة, تكاملية, وينبغي أن يطلبا معاً وفي الآن نفسه. كل منهما شرط للآخر, وكل منهما له الخصم نفسه والعدو نفسه.. الاستبداد والقهر والإنكار والظلم و»عدم الاعتراف».

 إلى أين تذهب الأمة الآن في ظل ما تراه من حراك اجتماعي وسياسي متصاعد؟
نحن نشهد اليوم نهضة عربية ثالثة.. عودة إلى الجذور إلى روح الشعب أو الأمة التي روضها الاستبداد والتدخل الخارجي والهيمنة الاستعمارية والفساد المادي والأخلاقي والروحي, ما يحدث اليوم في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها ثورة على أجيال الهزيمة والعار والاستخذاء.. أجيالنا نحن السابقين.. ثورة على النفاق الغربي واللااخلاقية الغربية التي لم يكن لهذه النظم السياسية المشوهة أن تحيا ثلاثين أو أربعين سنة بدون دعم وممالأة هذه النظم والتواطؤ مع استبدادها وفسادها ومظالمها.. يسائلون وزراءهم لمزايا تافهة أفادوا منها هنا أو هناك ويصمتون بخسة ووقاحة عن السجون والضحايا والمليارات الفلكية التي يستحلها وكلاؤهم الزبانية ويسلبونها من فقراء شعوبهم ومن أوطانهم يبتهجون بطلب الديمقراطية والحرية.. لكنهم يريدون ذلك لأنفسهم فقط لا للشعوب المقهورة المستعبدة.

شعارات زائفة
 يبذلون الوسع من اجل الحفاظ على هؤلاء الفاسدين ويتخفون وراء الشعارات الزائفة والنوايا المجرمة.. إلى أين تذهب الأمة الآن؟ أنها تذهب في طرق جديدة.. اياً ما كانت هذه الطرق فهي خير من تلك التي انقضى عليها ما ينيف على القرن.. ليس ينبغي علينا أن نكون مطمئنين كل الاطمئنان إلى النتائج, فللثورات وللوقائع الكبرى أسرارها.. السارة أحيانا.. البائسة أحيانا أخرى.. علينا أن نتجمل بالصبر وبالدعم وبالأمل وعلينا أن ننتظر بعض الوقت حتى نستطيع أن نتبين بوضوح الوجهة والمسار والمخاض.. لكن في جميع الأحوال ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تقدماً يحدث وبأن الحاضر البائس لن يستمر على بؤسه وبأن المستقبل سيحمل أحداثا عظيمة.. وبان علينا في الوقت ذاته أن نفضح النفاق الغربي في علاقاته معنا وفي سياساته بإزائنا.

 كيف يمكن التعامل مع فكرة التراث في ظل بحث الدولة العربية عن المجتمع المدني واستعادة الدور الحضاري لها؟
أنا لم اعد أؤمن بجدوى مبدأ (قياس الغائب على الشاهد) التاريخ تاريخ.. والتراث تراث تاريخي.. وتجربة الأوائل تظل تجربة للأوائل ولا أرى أن علينا أن نعيد التجربة الأموية أو العباسية أو العثمانية؟ أو غيرها والسلف نحترمهم ونقدرهم.. لكن الجميع هم أبناء زمانهم ومكانهم وظروفهم.. علينا أن ننطلق من المعطيات المباشرة لوجودنا الراهن وان نحلل هذه المعطيات وننقدها ونتبين فيها المناهج المطابقة لها لا أن نتعلق بهذا المنهج أو ذاك من مناهج القدماء أو المحدثين المصطنعة.. المعطيات المباشرة للواقع هي التي تحدد المنهج وليس العكس.

العدالة والمساواة والكرامة
نحن نريد مجتمعاً حديثاً تحكمه مبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية والحرية والخير العام والغايات الإنسانية ومبادئ التعارف والاعتراف. جملة هذه المبادئ ذات حضور بشكل أو بآخر في التراث ولا تتعارض مع النصوص الدينية, لكن الأخذ بها اليوم يفرضه الواقع المباشر والضرورات الحيوية المباشرة ذات الأبعاد الإنسانية المدنية الحضارية. الوحي الديني ليس جزءاً من التراث وانما هو مفارق للتراث ويظل موجهاً رئيسياً من موجهات وعينا الأخلاقي والإنساني والروحي, لكن لا يجوز تحويله إلى تنظيم سياسي راديكالي يناصب المجتمع والدولة والعالم العداء. واللغة العربية وجه أساسي من وجوه وجودنا في التاريخ وعلامة من علامات هويتنا التاريخية.. وهي تتقدم عندنا على أية لغة أخرى.. وفي التراث منجزات أدبية وفنية ومعمارية جميلة ثمينة يتعين الحفاظ عليها وصونها وتذوقها والتعريف بها. لكن وجوهاً كثيرة من التراث الحضاري أصبحت «تاريخية» تماماً. نحن مطالبون اليوم بإبداع تراث جديد وحضارة جديدة في حدود قدراتنا الإبداعية وغاياتنا المستحدثة, الصاعدة وفي إطار القيم الإنسانية العليا المشتركة بين كل البشر اليوم: العدالة, الحرية, المشاركة السياسية, التنمية والرفاهية, الخير العام, الكرامة الإنسانية, الاعتماد على الذات, الاستقلال الحقيقي قبالة قوى الهيمنة والعدوان والظلم, المساواة, تحرير أوطاننا من كل أشكال التعدي والاستلاب والاستعمار. وبكلمة أن نسترد وجودنا وقيمنا وإرادتنا وحريتنا وحقنا في أن نشكل عالمنا الخاص المكافئ للعوالم الأخرى, الجدير بأن يكون صنواً لها وبأن يفرض التقدير والاحترام والاعتراف.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }